محمد حسين علي الصغير
84
المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم
2 - كون المعنى المستعمل فيه واحدا لكن المراد الجدّي متعدد ، وذلك في المجاز بناء على كون المجاز عبارة عن عدم تطابق المراد الاستعمالي مع المراد الجدّي ، ومورد البحث هو إطلاق اللفظ مع إرادة عدة معان ، وإطلاقه مع إرادة المعنى الواحد وهذا الأخير مما لا كلام فيه ، لأنه الأصل وهو الاستعمال الحقيقي الكاشف عن المراد ، ولكن الكلام حول إطلاق اللفظ في القرآن وإرادة عدة معان منه كما هو الحال في الوحدة الحقيقية ، وتعني إرادة الجامع المنطبق على المعاني انطباق الكلي على أفراده ، فقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ « 1 » قد استعمل فيه لفظ الصلاة في الجامع بين صلاة اللّه وصلاة الملائكة وهو العطف ، لا أن المستعمل فيه متعدد ، فقد قال المفسرون بأن صلاة اللّه هي رحمته ، وأن صلاة الملائكة هي استغفارهم . وقد يستعمل اللفظ الواحد بمعنى من المعاني ، لكن كيفيته تختلف باختلاف المكلفين أو الكائنات كما هو ظاهر في قوله تعالى : اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ « 2 » . فالمستعمل فيه لفظ السجود وهو بمعنى الخضوع ، وإن كان كل خضوع بحسبه ، لا أن المستعمل فيه متعدد باعتبار أن سجود الملائكة هو الخشوع ، وسود البشر وضع الجبهة على الأرض ، وسجود الشمس انقيادها التكويني لأمر الخالق ، وكذا القمر والنجوم « 3 » . ومن خلال رأي الزمخشري والزركشي والسيستاني يبرز دور البلاغة العربية في رصد المراد بألفاظ القرآن الكريم حقيقة ومجازا ودلالة ، انفرادية في الاستعمال أو مجموعة إلى ما سواها من قرائن الأحوال ، وصياغة البيان ، ودلالة الالفاظ . ويبدو مما سلف أن المصدر اللغوي يمثل الأصالة الفكرية التي تقوم وتبرمج المناخ التفسيري على أساس من اللغة والفن والبلاغة . وبإلغاء هذا
--> ( 1 ) سورة الأحزاب : 56 . ( 2 ) سورة الحج : 18 . ( 3 ) علي الحسيني السيستاني ، الرافد في علم الأصول : 186 وما بعدها .